الشيخ ابراهيم الأميني
149
تزكية النفس وتهذيبها
وقال الصادق عليه السّلام : « من كان ذاكرا على الحقيقة فهو مطيع ، ومن كان غافلا عنه فهو عاص ، والطاعة علامة الهداية ، والمعصية علامة الضلالة ، وأصلهما من الذكر والغفلة ، فاجعل قلبك قبلة لسانك ، لا تحركه إلا بإشارة القلب وموافقة العقل ورضا الإيمان ، فإن اللّه عالم بسرك وجهرك ، وكن كالنازع روحه ، أو كالواقف في العرض الأكبر ، غير شاغل نفسك عما عناك مما كلفك به ربك في أمره ونهيه ووعده ووعيده ، ولا تشغلها بدون ما كلفك ، واغسل قلبك بماء الحزن ، واجعل ذكر اللّه من أجل ذكره لك ، فإنه ذكرك وهو غني عنك ، فذكره لك أجل وأشهى وأتم من ذكرك له وأسبق ، ومعرفتك بذكره لك يورثك الخضوع والاستحياء والانكسار ، ويتولد من ذلك رؤية كرمه وفضله السابق ، ويصغر عند ذلك طاعاتك وإن كثرت في جنب مننه . فتخلص بوجهه . ورؤيتك ذكرك له تورثك الرياء والعجب والسفه والغلظة في خلقه ، واستكثار الطاعة ، ونسيان فضله وكرمه ، وما تزداد بذلك من اللّه إلا بعدا ، ولا تستجلب به على مضي الأيام إلا وحشة ، والذكر ذكران : ذكر خالص يوافقه القلب وذكر صارف ينفي ذكر غيره كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إني لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، فرسول اللّه لم يجعل لذكره اللّه عز وجل مقدارا عند علمه بحقيقة سابقة ذكر اللّه من قبل ذكره له ، فمن دونه أولى ، فمن أراد أن يذكر اللّه تعالى فليعلم أنه ما لم يذكر اللّه العبد بالتوفيق لذكره لا يقدر العبد على ذكره » « 1 » . وكما لاحظتم فقد ذكر الحضور القلبي والتوجه الباطني في هذه الأحاديث على أساس كونه مصداقا ، وليس المقصود به الخطرات القلبية والتصور الذهني الذي لا يكون له أية نتيجة ، بل الحضور الباطني المؤثر ، بحيث يكون من علاماته الالتزام بأوامر اللّه تعالى واجتناب ما نهى عنه . لكن هذا الكلام لا يعني نفي كون الأذكار اللفظية من قبيل : « لا إله إلا اللّه » ، « سبحان اللّه » و « الحمد للّه » من المصاديق الحقيقية للذكر ، بل إن نفس هذه الكلمات هي مرتبة من مراتب ذكر اللّه ، إضافة إلى كون هذه الأذكار اللفظية تنبع من القلب ، فالذي يردد هذه الأذكار بلسانه لا بد أن يكون لديه
--> ( 1 ) بحار الأنوار ج 93 ص 158 .